الأربعاء، 8 يونيو 2016

قلعة صلاح الدين الايوبي



من تلك المواقع التاريخية والتي تعد من أروع وأضخم الأماكن زيارة وتنوعاً وانتباهاً واهتماماً في مصر، تقف قلعة صلاح الدين الأيوبي، بعناصرها الهندسية والمعمارية لتكون معلماً وشاهداً بارزاً مرت به المنطقة في حقبة تميزت بالازدهار والانتشار والتطور الإنساني من خلال الدين الإسلامي الحنيف، وما تركته من قيم للعدالة والمساواة والسلم على أطراف جغرافيا العالم العربي والإسلامي عموماً.


تقع قلعة صلاح الدين الأيوبي في الحي الذي يعرف باسمها "القلعة"، وهو من أعمال قسم الخليفة وقد أقيمت على إحدى الربى المنفصلة عن جبل المقطم على مشارف مدينة القاهرة، حيث ترى من طريق المعروف حاليا باسم صلاح سالم الذي هو جزء من الطريق الدائري المقام حول مدينة القاهرة.

وكانت قلعة صلاح الدين قديما تقع على قطعة من الجبل تتصل بجبل المقطم وتشرف على القاهرة ومصر والنيل والقرافة، حيث كانت تطل على مدينة القاهرة الفاطمية من الجهة الشمالية ومدينة الفسطاط والقرافة الكبرى وبركة الحبش من الجهة الجنوبية الغربية، بينما يقع النيل فى الجهة الغربية منها وجبل المقطم من ورائها من الجهة الشرقية.

وتعتبر قلعة صلاح الدين الأيوبى بالقاهرة من أفخم القلاع الحربية التي شيدت في العصور الوسطى فموقعها استراتيجي من الدرجة الأولى، بما يوفره هذا الموقع من أهمية دفاعية لأنه يسيطر على مدينتيّ القاهرة والفسطاط، كما أنه يشكل حاجزا طبيعيا مرتفعا بين المدينتين. وهو بهذا الموقع كان يمكن توفير الاتصال بين القلعة والمدينة في حالة الحصار، كما أنها سوف تصبح المعقل الأخير للاعتصام بها في حالة إذا ما سقطت المدينة بيد العدو.

ومر بهذه القلعة الشامخة الكثير والعديد من الأحداث التاريخية، حيث شهدت أسوارها أحداثا تاريخية مختلفة خلال العصور الأيوبية والمملوكية وزمن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798، وحتى تولي محمد علي باشا حكم مصر حيث أعاد لها ازدهارها وعظمتها.

وذكر المقريزي فى كتابه "المواعظ والاعتبار بذكرى الخطط والآثار" عن تاريخ الجبل الذي أقيمت عليه القلعة قبل بنائها: "اعلم ان أول ما عرف في خبر موضع قلعة الجبل أنه كان فيه قبة تعرف بقبة الهواء، فلقد قال أبو عمرو الكندي في كتابه أمراء مصر: وابتنى حاتم بن هرثمة القبة التي تعرف بقبة الهواء، وهو أول من ابتناها وولي مصر إلى أن صرف عنها في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة..."

ولما بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبة الهواء هذه، كان كثيرا ما يقيم فيها، فإنها كانت تشرف على قصره، ثم اعتنى بها الأمير أبو الجيوش خماوريه بن أحمد بن طولون وجعل لها الستور الجليلة والفرش العظيمة في كل فصل ما يناسبه، فلما زالت دولة بني طولون وخرب القصر والميدان، كانت قبة الهواء مما خرب..."

وذكر المقريزي أن قبة الهواء كانت فى سطح الجرف الذي عليه القلعة والجبل، وهذا الوصف ينطبق على الربوة التي كان الإنجليز قد نصبوا عليها مواقعهم تجاه مدينة القاهرة وقت احتلالهم للقلعة ومصر سنة 1882 وموقعها حاليا خلف متحف الشرطة وحفائر قصر الأبلق.

ومن هذا الموقع وقف العديد من الرحالة مشدوهين بهذا المنظر الرائع الذى أثار خيالهم، فخلدوا وصفه فى كتاباتهم ومنهم مارييت باشا الذي كان لهذا الموقع أثره فى نفسه حيث أنه كان بمثابة الوحي الذى انطلق به نحو اكتشافه للسبرايوم والذي وصفه فى كتابه (Le Sérapeum du Memphis).

وذكر المقريزي فى كتابه "الخطط" أنه كان يقع على ربوة الصوة التي أقيمت عليها قلعة صلاح الدين الأيوبي عدة مساجد وترب هدمت عند بناء القلعة.

ولقد كان السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أول من فكر ببناء القلعة على ربوة الصوة فى عام 572هـ/1176م، حيث قام وزيره بهاء الدين قراقوش الأسدي بهدم المساجد والقبور التي كانت موجودة على الصوة لكى يقوم ببناء القلعة عليها، حيث قام العمال بنحت الصخر وإيجاد خندق اصطناعي فصل جبل المقطم عن الصوة زيادة في مناعتها وقوتها.

وذكر المؤرخون عن سبب بناء القلعة أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لما أزال الدولة الفاطمية من مصر واستبد بالأمر، لم يتحول من دار الوزارة بالقاهرة، ولم يزل يخاف على نفسه من شيعة الخلفاء الفاطميين بمصر ومن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سلطان الشام، فامتنع أولا من نور الدين بأن سيّر أخاه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب في سنة 569 إلى بلاد اليمن لتصير له مملكة تعصمه من نور الدين، فاستولى شمس الدولة على ممالك اليمن، وكفى الله صلاح الدين أمر نور الدين ومات في تلك السنة فخلا له الجو وأمن جانبه وأحب أن يجعل لنفسه معقلا بمصر، فإنه كان قد قسم القصرين بين أمرائه وأنزلهم فيها، فيقال أن السبب الذي دعاه إلى اختيار مكان قلعة الجبل أنه علق اللحم بالقاهرة فتغير لونه بعد يوم وليلة فعلق لحم حيوان أخر في موضع القلعة فلم يتغير إلا بعد يومين وليلتين فأمر حينئذ بإنشاء قلعة هناك وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي فشرع في بنائها وبنى سور القاهرة الذي زاده في سنة 572 وهدم الأهرام الصغار التي كانت بالجيزة تجاه مصر وكانت كثيرة العدد ونقل ما وجد بها من الحجارة وبنى به سورا يحيط بالقاهرة والقلعة وقناطر الجيزة، وقصد أن يجعل السور يحيط بالقاهرة والقلعة ومصر، فمات السلطان قبل أن يتم الغرض من السور والقلعة.

ويروى عن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي أنه صعد يوما مع أخيه الملك العادل إلى القلعة عندما كانت لا تزال في طور البناء فلما رآها التفت إلى أخيه قائلا "يا سيف الدين، قد بنيت هذه القلعة لأولادك فقال العادل يا خوند من الله عليك أنت وأولادك وأولاد أولادك بالدنيا. فقال: ما فهمت ما قلت لك أنا نجيب ما يأتي أولادي نجباء وأنت غير نجيب فأولادك يكونوا نجباء".

وكان الناصر صلاح الدين الأيوبي قد تنبأ بما سيحدث في المستقبل، فقد غادر القاهرة متجها إلى بلاد الشام عام 579هـ/1183م قبل إتمام بناء القلعة وتحصينها حيث وضع اللوحة التأسيسية أعلى باب القلعة الرئيسي والذي عرف بالباب المدرج والمؤرخة بعام 579هـ/1183م ولم يقدر للناصر صلاح الدين العودة مرة أخرى إلى القاهرة حيث مات عام 589هـ/1193م ودفن في دمشق.

وعندما وصل نابليون بونابرت إلى مصر سنة 1798 على رأس الحملة الفرنسية كانت القلعة قد فقدت أهميتها منذ قرون مضت وبالتالي فإنها سقطت بين يديه بسهوله، حيث ذكر عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار" أن الفرنسيين قد قاموا بهدم  الكثير من المنشآت بالقلعة وغيروا من معالمها من أجل تحصينها.

وعلى الرغم من أن الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم فترة طويلة حيث رحل عنها سنة 1801، إلا أن العلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية تركوا لنا أقدم خريطة للقلعة في كتابهم الذي وضعوه وهو "وصف مصر"، حيث وضعوا به مخططا كاملا للقلعة وأهم مبانيها ومنشآتها في القرن الثامن عشر الميلادي.

وعندما احتلت مصر سنة 1882 اتخذت القلعة مقرا لقيادة أركان الجيش البريطاني الذي ظل بها حتى سنة 1946 عندما تم جلاء الإنجليز من القلعة في عهد الملك فاروق الأول، وتم رفع العلم المصري بها حيث تسلمها الجيش المصري وظلت تحت قيادته إلى أن تسلمتها هيئة الآثار المصرية سنة 1983، فقامت بالعديد من أعمال الترميم والإصلاح. وفى سنة 1994 قام المجلس الأعلى للآثار بترميم السور الشمالي وبعض المباني.

في الداخل

تزخر قلعة صلاح الدين الأيوبي بالعديد من الآثار التي ترجع إلى عصور إسلامية مختلفة جعلتها من مجرد قلعة حصينة كانت تستخدم في الدفاع عن المدينة في حالة أي هجوم إلى مدينة كاملة احتوت على مساجد وأسبلة وقصور ودواوين ومصانع حربية ومشغل لكسوة الكعبة المشرفة ومدارس حربية ومدنية، وغيرها من المنشآت التي ميزت قلعة صلاح الدين الأيوبي عن غيرها من القلاع التي بنيت في العصور الوسطي في العالم.

ويجد الزائر أول ما يقابله عند الدخول من باب صلاح سالم ساحة كبيرة عرفت في المصادر باسم الحوش السلطاني أو الساحة الملكية وهي منطقة كانت تقع بها أبنية قديمة يرجع تاريخها إلى العصر المملوكي قام محمد على باشا بتجديد المباني الواقعة بها، وإنشاء مبان جديدة محلها.

وتزخر قلعة صلاح الدين الأيوبي بالعديد من الأسوار والأبراج والأبواب، حيث أن أول ما يلفت النظر إلى القلعة هو ارتفاعها الشاهق وأسوارها الحصينة الشامخة والصامدة على مر السنين والعصور والتي من خلال هذه الأسوار يمكن ملاحظة هذا التباين الواضح في شكل أسوارها وأبراجها التي من خلالها يمكن للزائر التمييز بين تسميتها الشمالي والجنوبي، حيث نجد أن القلعة تنقسم إلى ساحتين بواسطة سورين مختلفين، احدهما شمالي وهو الذي يسميه المؤرخون قلعة صلاح الدين الأيوبي أو قلعة الجبل، ويتكون من مساحة ذات مسقط أفقي مستطيل غير منتظم الشكل بطول 650 مترا وعرض 317 مترا. أما السور الجنوبي فيطلق عليه اسم القلعة ويتكون أيضا من مساحة ذات مسقط أفقي مستطيل بطول 510 امتار وعرض 270 مترا.

وهذان السوران يكونان ما اتفق عليه كل الباحثين فى تسميتهما بالساحة الشمالية والساحة الجنوبية ويفصل بينهما حائط سميك جدا يمتد نحو 150مترا ويطلق عليه اسم الرقبة، وعلى كل طرف من أطراف هذا الحائط أبراج ذات أقطار كبيرة وفى وسط الحائط  باب يسمى باب القلة.

وكان لقلعة صلاح الدين الأيوبى عدة أبواب منها الرئيسية ومنها الفرعية منها باب المدرج باب القرافة، باب المطار، باب السر، وسواها.
 وقد سدت بعض هذه الأبواب وبطل استخدامها لتحل محلها أبواب جديدة جددت في عصر محمد علي باشا والأبواب الرئيسية للقلعة حاليا هي باب المقطم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق